عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

25

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

الباب الثاني في خلق الأنبياء ورسالتهم اعلم يا بنى أن الله تعالى لم يخلق هذه الدنيا من أجل حاجته ، ولم يخلقها عبثا ، بل خلقها بمقتضى العدل ، وزينها على اقتضاء الحكمة ؛ لأنه علم أن الوجود خير من العدم ، والكون خير من الفساد ، والزيادة خير من النقصان ، والحسن خير من القبيح ، وكان على كلا النوعين قادرا وبهما عالما ، ولم يعمل ما لا يليق أن يكون ، أو كان على خلاف علمه . وعمل في ميقات ، وما عمله كان على موجب العدل ، ولم يكن من الجائز أن يكون على موجب الجهل ، فجاء وضعة على موجب الحكمة . كما أنه صوره على أبدع ما كان . كذلك كان قادرا على أن يعطى الضوء بغير الشمس ، والمطر بغير السحاب ، ويركب الأشياء بغير الطبائع ، ويوجد التأثير بالخير والشر في العالم بغير النجوم ، ولكنه لما كان الأمر على أساس الحكمة ، لم يوجد شيئا بغير الواسطة ، وصير الواسطة سبب الكون والفساد ، لأنه إذا انعدمت الواسطة انعدم شرف الترتيب ومنزلته ، وإذا لم يكن الترتيب لم يكن التنظيم ، ولا بد للفعل من النظام ، ولا بد أيضا من الواسطة ، فأوجد الواسطة كذلك لكي يكون ثمة قاهر ومقهور ، ورازق ومرزوق ، وهذه الثنوية . شاهد على وحدانية الله تعالى ، ولما كنت ترى الواسطة ولا ترى الغرض ، فإياك أن تنظر إلى الواسطة ، أو ترى القليل أو الكثير صادرا عن الواسطة بل من رب الواسطة ، فإذا لم تثمر الأرض لا تضع الغرم على الأرض ، وإذا لم يسعد النجم ، لا تجعل الغرم على النجم ، فإن النجم يعرف عن السعد والنحس بقدر ما تعرف الأرض عن الإثمار ، ولما لم يكن للأرض القدرة على أن تبذر فيها البذر الطيب فتثير الخبيث ، فإن النجم له نفس هذا الحكم ولا يستطيع عمل الخير والشر ، ولما كانت الدنيا قد زينت بالحكمة كان لا بد للمزينة من التزيين ، فانظر في هذه الدنيا لترى الزينة في النبات والحيوان والمأكولات والملبوسات وأنواع الطيبات ، إذ كل هذه الزينات قد أوجدت بموجب الحكمة . كما يقول في كتابه : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 38 ) ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ . . ( الدخان : 38 ، 39 ) . فإذا عرفت أن الله لم يخلق نعمة في هذه الدنيا عبثا ، فإنه يكون من العبث أن لا يؤدى حق النعمة والرزق ، وحق الرزق أن تعطيه للمرزوق ، ولما كان العدل كذلك ، فقد خلق الناس ليأكلوا ، ولما أوجد الناس ، كان تمام النعمة بالناس ، وكان لا بد للناس من السياسة ، والسياسة بغير مرشد تكون غير ناضجة ، فإن كل مرزوق